عبد الرحمن السهيلي

229

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

للتسبيب والعتق عنده حكمان مختلفان ، وسالم هذا هو الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل أن ترضعه ليحرم عليها ، فأرضعته وهو ذو لحية . فإن قيل : كيف جاز له أن ينظر إلى ثديها ، فقد روي في ذلك أنها حلبت له في مسعط وشرب اللبن ، ذكر ذلك محمد بن حبيب . قريش تتشاور في أمر النبي : ذكر فيه تمثل إبليس حين أتاهم في صورة شيخ جليل وانتسابه إلى أهل نجد . قوله في صورة شيخ جليل يقول : جل الرجل وجلت المرأة إذا أسنت ، قال الشاعر : * وما حظها أن قيل عزّت وجلّت * ويقال منه : جللت يا رجل بفتح اللام ، وقياسمه جللت لأن اسم الفاعل منه : جليل ، ولكن تركوا الضم في المضاعف كله استثقالاً له مع التضعيف إلا في لببت ، فأنت لبيب ، حكاه سيبويه بالضم على الأصل . وإنما قال لهم : إني من أهل نجد فيما ذكر بعض أهل السيرة ، لأنهم قالوا : لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم مع محمد ، فلذلك تمثل لهم في صورة شيخ نجدي ، وقد ذكرنا في خبر بنيان الكعبة أنه تمثل في صورة شيخ نجدي أيضاً ، حين حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الركن : من يرفعه ، فصاح الشيخ النجدي : يا معشر قريش : أقد رضيتم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم ، فإن صح هذا الخبر فلمعنىً آخر تمثل نجدياً ، وذلك أن نجداً منها يطلع قرن الشيطان ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قيل له : وفي نجدنا يا رسول الله ؟ قال : هنالك الزلازل والفتن ، ومنها يطلع قرن الشيطان ، فلم يبارك عليها ، كما بارك على اليمن والشام وغيرها ، وحديثه الآخر أنه نظر إلى المشرق ، فقال : إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان ، وفي حديث ابن عمر ، أنه حين قال هذا الكلام ، ووقف عند باب عائشة ، ونظر إلى المشرق فقاله ، وفي وقوفه عند باب عائشة ناظراً إلى المشرق يحذر من الفتن ، وفكر في خروجها إلى المشرق عند وقوع الفتنة تفهم من الإشارة واضمم إلى هذا قوله عليه السلام حين ذكر نزول الفتن : أيقظوا صواحب الحجر ، والله أعلم . وذكر تشاورهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن بعضهم أشار بأن يحبس في بيت ، وبعضهم بإخراجه عليه السلام من بين أظهرهم ونفيه ، ولم يسم قائل هذا القول ، وقال ابن سلام : الذي أشار بحبسه هو أبو البختري بن هشام ، والذي أشار بإخراجه ونفيه هو أبو الأسود ربيعة بن عمرو ، أحد بني عامر بن لؤي ، وقول أبي جهل : نسيباً وسيطاً ، هو من السطة في العشيرة ، وقد تقدم في باب تزويجه خديجة معنى الوسيط ، وأين يكون مدحاً . وأما قوله على بابه يتطلعون ، فيرون علياً وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظنونه إياه ، فلم يزالوا قياماً حتى أصبحوا ، فذكر بعض أهل التفسير السبب المانع لهم من التقحم عليه في الدار مع قصر الجدار ، وأنهم إنما جاؤوا لقتله ، فذكر في الخبر أنهم هموا بالولوج عليه ، فصاحت امرأة من الدار ، فقال بعضهم لبعض : والله إنها للسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم ، وهتكنا ستر حرمتنا ، فهذا هو الذي أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه ، ثم طمست أبصارهم عنه حين خرج ، وفي قراءة الآيات الأول من سورة : يس من الفقه التذكرة بقراءة الخائفين لها اقتداءً به عليه السلام ، فقد روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر فضل يس أنها إن قرأها خائف أمن ، أو جائع شبه أو عار كسي ، أو عاطش سقي حتى ذكر خلالاً كثيرة .